٢٠٢٦
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أصحاب السماحة المفتون والمحتسبون وأئمة المساجد والمراكز الإسلامية ومدرسو المدارس
الدينية، أيها الإخوة والأخوات الأعزاء.
باسم الجمعية الدينية لمسلمي روسيا وباسمي شخصياً أهنئكم من أعماق قلبي بحلول شهر رمضان المبارك شهر الرحمة والتطهير، والسمو الروحي.
إن شهر رمضان المبارك لا يدخل حياتنا مجرد تاريخٍ عابر في التقويم، بل يأتي كزمنٍ خاص يُمنح فيه الإنسان فرصة للتوقف والتأمل في أعماق نفسه، وسماع ما تحجبه ضوضاء الهموم والقلق في صخب الحياة اليومية. إنه شهرٌ يظل فيه العالم الخارجي كما هو، لكن في قلب المؤمن يبدأ تحولٌ وتنويرٌ هادئ وعميق.
إن الصيام لم يُفرض علينا من أجل الحرمان أو لمجرد الابتلاء في حد ذاته، فقد جاء في القرآن الكريم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (سورة البقرة، الآية ١٨٣).
في هذه الكلمات معانٍ لا يمكن استنفادها بتفسير واحد, فالتقوى ليست خوفاً من العقاب بل هي استشعار الحضور الدائم للخالق في كل لحظة من لحظات حياتنا إنها الركيزة الداخلية التي يمنع بها الإنسان نفسه عن الظلم وعن الغلظة، وعن لغو القول وقرارات العجلة فإنه هو الذي يراك وإن لم تكن تراه.
إن رمضان هو شهر القرآن، الشهر الذي يجب فيه للكلمة المنزلة أن يتردد صداها ليس في المساجد فحسب بل في أفعالنا وفي علاقاتنا وفي تعاملنا مع الوالدين والأبناء والجيران، ومع من يحتاجون إلى العون والمؤازرة,وفي هذا الوقت ندرك بوضوح تام أن الغنى الحقيقي للإنسان ليس في الأموال المكدسة ولا في المكانة الاجتماعية، بل في طهارة النية والإخلاص أمام الخالق.
لقد حذر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من أن هناك من الصائمين من ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، وهذا تذكير جاد لكل واحد منا فإن الصيام ليس مجرد إمساك للبدن، بل هو تطهير للقلب وليس مجرد امتناع عن الطعام، بل هو امتناع عن الغيبة والحدّة والكبر, فإذا لم يُلجم اللسان وإذا امتلأ القلب بالغل أو الحسد، فإن الشكل الظاهري للعبادة يفقد عمقه.
إن رمضان يعلمنا الصبر, ليس صبراً متواكلاً بل صبراً فاعلاً ذلك الذي يولد الرحمة ويدفع
نحو الخير, إنه يربي فينا المسؤولية أمام رب العالمين وأمام أسرنا، وأمام المجتمع, إنه
الشهر الذي يمكن فيه للقليل من الخير أن يعظم وللكلمة الصادقة أن تسند من كاد يفقد الأمل.
في هذه الأيام المباركة لنجتهد ونكون أكثر اهتماماً بمن هم حولنا ولنساند الأسر التي تمر بصعوبات ولنعزز وحدة وتضامن مجتمعاتنا ولنملأ المساجد ليس بالحضور فحسب، بل بالمشاركة الحية والسعي نحو العلم والخدمة.
نسأل الله العلي القدير أن يقوينا على الإخلاص ويمنحنا الثبات في الشدائد ويطهر قلوبنا من كل شائبة، ويملأها بنور الإيمان. وليكن كل يوم من أيام رمضان خطوة لنا نحو التجديد الداخلي والسمو الروحي والمصالحة مع الناس، والتقرب من مرضات الخالق.
وليكن هذا الشهر وقتاً نكون فيه أكثر حكمة وأكثر صبراً وأكثر رحمة، وأكثر مسؤولية تجاه ديننا ووطننا.
مع خالص الاحترام وصالح الدعوات ,مفتي موسكو رئيس الجمعية الدينية لمسلمي روسيا
ألبير حضرة كرغانوف




