الإخوة والأخوات الأعزاء، المواطنون الكرام!
نيابة عن الجمعية الدينية لمسلمي روسيا، نُهنئكم بحلول شه ر شعبان المبارك.
شعبان هو الشه ر الثامن من التقويم الهجري، الشه ر المُنبئ بقدوم رمضان، وغالبًا ما يُطلق عليه وقت الاستعداد، حيث
يُهيئ الإنسان نفسه مسبقًا للصيام، والجدية في الصلاة، وتصحيح العادات، وتطهي ر القلب، و هو شهر من المهم فيه جدًا
ألا نفقد فيه الإيقاع الروحي وأن لا نعيش فقط في انتظا ر عبارة " سأبدأ في رمضان".
وفي التقليد العربي، عُرف شعبان بأسماء متعددة. فسُمي أيضًا بالشه ر المعظم، وشه ر الكرم، وشهر الكثرة، وقد حافظت
بعض الشعوب على عادات حميدة في هذا التوقيت، كإطعام الأهل والجيران الحلويات في منتصف الشهر، وإظهار
الاهتمام بالأقارب، وتقوية الروابط الأسرية والاجتماعية. وجوهر هذه العادات بسيط، وهي أن تكون الرحمة والكرم عملا حيًا وليس شعارًا فقط.
ويرتبط شعبان بحدث مهم في تاريخ الإسلام، ففيه نزلت الآية الكريمة التي أمرت المؤمنين بالتوجه في صلاتهم نحو
البيت المعظم )الكعبة في مكة المكرمة( بدلا من بيت المقدس)القدس(.
فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يصلون متجهين نحو القدس، وفي أثناء الصلاة جاء أم ر الله تعالى
فُغيّرت القبلة فاستدا ر النبي صلى الله عليه وسلم نحو مكة واستدار معه الصحابة ، فالمسجد الذي وقع فيه هذا الحدث
يُسمى "مسجد القبلتين"، وهو لا يزال قائمًا ويقع في المدينة المنورة قرب مسجد النبي صلى الله عليه وسلم .
وقد جاء في القرآن الكريم:
﴿قَ د نَرَ ى تَقَلُّبَ وَ جهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِ بلَة تَ رضَاهَا فَوَلِّ وَ جهَكَ شَ ط ر ا لمَ سجِدِ ا لحَرَامِ وَحَ يثُ مَا كُ نتُ م فَوَلُّوا وُجُوهَكُ م
شَ طرَه وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا ا لكِتَابَ لَيَ علَمُونَ أَنَّهُ ا لحَقُّ مِ ن رَبِّهِ م وَمَا اللَّّ بِغَافِ ل عَمَّا يَ عمَلُونَ ﴾
)سورة البقرة، الآية 144 )
وهذا الحدث يذكرنا بأن الإيمان اتجاه ، ليس فقط بالمعنى الحرفي، بل وفي الحياة أيضًا. إما أن يسي ر الإنسان باتجاه
رضى الله، أو ينحرف عن الطريق دون أن يشعر، مبررًا ذلك بالتعب أو الانشغال أو " سأصحح لاحقًا".
وفي شعبان أيضًا فُرض صيام رمضان من فوق سبع سماوات حيث اشتُق اسم شعبان من التشعب أو الانتشا ر، وفيه
ينتش ر الخي ر.
ومن الأعمال المستحبة فيه الصيام، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكث ر من الصوم فيه. فعن عائشة رضي الله
عنها قالت:
كَانَ رَسُولُ اللَّّ - صلى الله عليه وسلم - يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُ فطِرُ، وَيُ فطِ ر حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ، وَمَا رَأَ يتُ رَسُولَ اللَّّ - «
» صلى الله عليه وسلم - ا ستَ كمَلَ صِيَامَ شَ ه ر قَطُّ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَ يتُهُ فِي شَ ه ر أَ كثَ ر مِ نهُ صِيَامًا فِي شَ عبَانَ
)رواه البخاري ومسلم(
وسأل أسامة بن زيد رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم عن سبب إكثاره من الصوم في شعبان، فأجابه:
ذَلِكَ شَ ه ر يَ غفُلُ النَّاسُ عَ نهُ بَ ينَ رَجَ ب وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَ ه ر تُ رفَعُ فِيهِ الأَ عمَالُ إِلَى رَبِّ العَالَمِينَ؛ فَأحُِبُّ أَ ن يُ رفَعَ عَمَلِي «
» وَأَنَا صائِ م
)رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه(
وهذا مألوف فحين تحل الأشه ر الحرم، يبدأ الكثيرون بحماس، ثم يخفت الوتيرة، ويتشتت الانتباه، وتتراجع الأمو ر
الروحية. وشعبان يعلمنا النضج بأن نحافظ على الوتيرة لا في البداية فحسب، بل طوال المسار.
لذلك يجد ر في هذا الشه ر الاجتهاد أكث ر في طاعة الله، ومن لا يستطع الصوم بكثرة فليخت ر نظامًا يناسبه كصيام أيام من
أوله وأوسطه )الثالث عشر والرابع عش ر والخامس عش ر( وآخره ومن المهم أن يكون ذلك بإخلاص وثبات دون إفراط.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا:
» إِذَا كَانَ ت لَ يلَة النِّ صفِ مِ ن شَ عبَانَ فَقُومُوا لَ يلَهَا، وَصُومُوا نَهَارَهَا «
)رواه ابن ماجه(
نسأل الله تعالى أن يمنحنا الرحمة في الدنيا، والمغفرة في الآخرة، وأن يبلغنا شه ر رمضان بصحة ونية صالحة، حيث
جعل الله شعبان لنا شهرًا لتقوية الإيمان، وإصلاح العمل، وتطهي ر القلوب.