الرياض، 15 ديسمبر 2025
المنتدى الدولي لتحالف الأمم المتحدة للحضارات، المنعقد في العاصمة السعودية الرياض
أطروحات مفتي موسكو، رئيس الجمعية الدينية لمسلمي روسيا
ألبير كرغانوف

بسم الله الرحمن الرحيم، الرحمن بالخلق جميعًا في الدنيا، وبالمؤمنين خاصةً في الآخرة. الحمد لله ربّ العالمين، خالق السماوات والأرض، الذي أقام موازين العدل لئلّا نتعدّى حدود المباح. والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء محمد، وعلى آله الأطهار وصحابته الأبرار.

أصحاب السعادة، أيها العلماء الأجلاء، الإخوة والأخوات!

وإذ تطأ أقدامنا الأرض المباركة لخادم الحرمين الشريفين، أحيّيكم باسم أمة روسيا المسلمة ذات الملايين، الحصن الشمالي للعالم الإسلامي. لقد اجتمعنا هنا في زمن الابتلاءات العظام، حين تقف البشرية، كالمسافر في الصحراء، أمام خيارٍ بين واحة النجاة بالحقيقة وسراب الهلاك بانعدام الروح. واليوم، إذ تتداعى الهيمنة الأحادية القطبية، لا نشهد مجرد تعاقبٍ لعصور سياسية، بل عودة العالم إلى المقصد الإلهي القائم على التنوّع. فقد أعلن الله تعالى في القرآن الكريم قانونًا ثابتًا لنظام العالم:
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ (الشورى: 8).
وقد اختارت روسيا، برفضها الغرور الاستعماري الغربي، هذا الطريق، فأصبحت دولةً-حضارةً، حافظ فيها 193 شعبًا على لغاتهم وإيمانهم في ظل دولةٍ واحدة.

إن نموذجنا التاريخي ليس «بوتقة صهر» تمحو الملامح، بل حديقةً مزهرةً تؤتي فيها كل شجرة ثمرها. وقد علّم المفكّر الشرقي العظيم أبو نصر الفارابي أن المدينة الفاضلة تُبنى على التعاون المتبادل من أجل بلوغ السعادة. وعلى هذا المبدأ قامت الدولة الروسية. فمنذ أكثر من ألف عام، كان الإسلام جزءًا لا يتجزأ من الشفرة الروحية لأوراسيا. ونحن، مسلمو روسيا، لسنا جالية ولا وافدين، بل أبناء أصيلون لأرضنا، دافع أسلافنا عنها عبر القرون دفاعًا عن وطننا المشترك. وكما قيل بحق: إن العلم والإيمان جناحان يرفعان الأمة إلى ذُرى الكرامة. واليوم نقوم بدور الجسر الحي، والحلقة الذهبية، التي تصل بين الفضاءات الحضارية، شاهِدين على أن الإخلاص للوطن والإخلاص للدين يعزّز أحدهما الآخر، إذ جاء في الأثر: «حبّ الوطن من الإيمان».

غير أنّنا نرى الغيوم تتلبّد في الأفق. فقد واجه العالم المعاصر توسّعًا عدوانيًا لأيديولوجيات تُسمّى في التراث الإسلامي «الفساد» — أي نشر الإفساد في الأرض. وقد حذّرنا القرآن الكريم من ذلك:
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ (الروم: 41).
وتحت ستار حريةٍ زائفة، تشنّ قوى هدّامة، وشركات عابرة للحدود، ووسائل إعلام مُسيَّسة حربًا على طبيعة الإنسان نفسها — على فطرته. إن فرض الخطيئة السدومية، وتقويض مؤسسة الأسرة، والترويج لرفض الإنجاب والأنانية، ليس سوى تمرّدٍ سافر على الخالق. وهو طريقٌ إلى كارثة ديموغرافية وانحطاطٍ روحي، ومحاولةٌ لتحويل خليفة الله في الأرض إلى مستهلكٍ عديم الإرادة لشهواته.

وقد أدركت روسيا، أولى بين القوى الكبرى، خطورة هذا التهديد، وأقامت حاجزًا قانونيًا في وجه نزع الإنسانية. وكان مرسوم رئيس الاتحاد الروسي لعام 2023 بشأن إقرار أسس السياسة الحكومية للحفاظ على القيم التقليدية فعلَ شجاعةٍ دولية. لقد حظرنا تشريعيًا أنشطة الهياكل المتطرفة الدولية وحركات الانحراف التي تمسّ بالصحة الأخلاقية لأطفالنا. وفي ذلك نتّبع وصية النبي محمد ﷺ إذ قال: «من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده». فالدولة الروسية توقف الشرّ بالقانون، ورجال الدين بالكلمة الوعظية، لأن السيادة الروحية اليوم لا تقلّ أهمية عن سيادة الحدود. وفي عاصمة روسيا، نقيم مركزًا للأديان العالمية.

يا أولي الألباب! إن هدفنا في هذا المنتدى هو توحيد جميع قوى الخير في كوكبنا. فعلى المسلمين والمسيحيين وأتباع سائر الأديان التقليدية أن يقفوا كتفًا إلى كتف في وجه طغيان اللاأخلاق. إننا نقدّم للعالم لا صراعًا، بل حوارًا بلغة المعاني المقدّسة. وكما تقول الحكمة: «يعادي الناس ما يجهلون». روسيا منفتحة على العالم، وتجربتنا في التعايش السلمي بين الأديان يمكن أن تكون دواءً لِبشريةٍ أنهكتها النزاعات.

وختامًا، أرفع دعائي إلى الله تعالى أن يثبّت أقدامنا على طريق الحق، وأن يمنح القلوب بصيرة، وأن يحفظ شعوبنا من الضلال. إن الله سميعٌ مجيب.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وشكرًا لحسن الاستماع.